صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد وإن كان يسيرا حقيرا ، وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخيرات والطاعات ويدخل فيه نفقة الغزو ، دخولا أوليا يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أجره وجزاؤه في الآخرة فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قررناه سابقا ، ويعجل لكم عوضه في الدنيا وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ في شيء من هذه النفقة التي تنفقونها في سبيل اللّه أي من ثوابها بل يصير ذلك إليكم وافيا وافرا كاملا وأن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ . والتعبير عنه بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة الثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى . وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها أي إن مالوا إلى المصالحة فاقبل منهم الصلح ومل إلى المصالحة ، والجنوح الميل ، يقال جنح الرجل إلى الرجل مال إليه ومنه قيل للأضالع الجوانح لأنها مالت إلى الحشوة ، وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير ، ويقال جنح الليل أقبل . قال النضر بن شميل : جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له ، والجنوح الاتباع أيضا لتضمنه الميل والجناح من ذلك لميلانه إلى الطائر ، والسلم الصلح ، قرىء بالكسر والفتح وهما قراءتان سبعيتان ، وقرىء فاجنح بضم النون وبالفتح والأولى لغة قيس والثانية لغة تميم قال ابن جني : ولغة قيس هي القياس ، والسلم يذكر ويؤنث كما يؤنث الحرب إذ هي مؤولة بالخصلة أو الفعلة . وعن مجاهد قال : وان جنحوا يعني قريظة وعن ابن عباس قال : السلم الطاعة . وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة ، فقيل هي منسوخة بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] قاله ابن عباس . وقيل ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم فتكون خاصة بأهل الكتاب ، قاله مجاهد وقيل إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه . وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد : 35 ] وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك ، فإنه جائز كما وقع منه صلى اللّه عليه وسلم من مهادنة قريش ، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك ، وهذا كله مبني على أن المراد بالصلح هو عقد الجزية ، أما لو أريد غيره من العقود التي تفيدهم الأمن وهي الهدنة والأمان فلا نسخ مطلقا إذ يصح عقدهما لكل كافر ، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه .